الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

532

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

فالجواب من وجوه : أحدها : إجماع المفسرين وهو حجة . والثاني : قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « أنا دعوة أبى إبراهيم ، وبشارة عيسى » « 1 » قالوا : وأراد بالدعوة هذه الآية ، وبشارة عيسى هي ما ذكر في سورة الصف في قوله : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ « 2 » . الثالث : إن إبراهيم إنما دعا بهذا الدعاء بمكة لذريته الذين كانوا بها وبما حولها ، ولم يبعث اللّه تعالى إلى من بمكة إلا محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - . وقد امتن اللّه تعالى على المؤمنين يبعث هذا النبيّ منهم على هذه الصفة فقال تعالى : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ « 3 » الآية ، فليس للّه منة على المؤمنين أعظم من إرساله محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم ، وإنما كانت النعمة على هذه الأمة بإرساله أعظم النعم ، لأن النعمة به - صلى اللّه عليه وسلم - تمت بها مصالح الدنيا والآخرة ، وكمل بسببها دين اللّه الذي رضيه لعباده . وقوله : مِنْ أَنْفُسِهِمْ « 4 » يعنى أنه بشر مثلهم ، وإنما امتاز عليهم بالوحي . وقرئ في الشواذ ( من أنفسهم ) - بفتح الفاء - يعنى من أشرفهم ، لأنه من بني هاشم ، وبنو هاشم أفضل قريش ، وقريش أفضل العرب ، والعرب أفضل من غيرهم . ثم قيل : لفظ ( المؤمنين ) عام ، ومعناه خاص في العرب ، لأنه ليس حي من أحياء العرب إلا وقد ولده ، وخص المؤمنين بالذكر لأنهم المنتفعون به أكثر ، فالمنة عليهم أعظم .

--> ( 1 ) ذكره الهيثمي في « المجمع » ( 8 / 223 ) عن العرباض بن سارية ، وقال : رواه أحمد بأسانيد والبزار والطبراني بنحوه ، وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح ، غير سعيد بن سويد ، وقد وثقه ابن حبان . ( 2 ) سورة الصف : 6 . ( 3 ) سورة آل عمران : 164 . ( 4 ) سورة آل عمران : 164 .